ابن ميثم البحراني

337

شرح نهج البلاغة

الشرطيّات ، وردعها هو ردّها خاسئة حسيرة ، وسبب ذلك في كلّ من هذه المدركات هو خلقها قاصرة عن إدراك ما يطلبه من هذه المطالب العظيمة : فالأوهام لقصورها عن إدراك ما ليس بمحسوس ولا متعلَّقا بالمحسوس ، وردع الفكر أن يقع عليه وتولَّه القلوب أن تجرى في كيفيّة صفاته فتحدّها وتحصرها لخلقها قاصرة عن الإحاطة بما لا نهاية له إذ كانت صفات الكمال ونعوت الجلال كذلك ، وردع العقول أن يحيط بكنه ذاته لخلقها قاصرة عن إدراك كنه ما ليس بذي حدّ وتركيب . فكان مستند ذلك الردع هو قدرته فلذلك قدّم على الشرطيّة اعتبار كونه قادرا فقال : هو القادر الَّذي من شأنه كذا . وقوله : وهى تجوب مهاوي سدف الغيوب متخلَّصة إليه سبحانه . الجملة في موضع الحال والعامل ردعها ، واستعار لفظ السدف لظلمات الجهل بكلّ معنى غيبيّ من صفات جلاله وطبقات حجبه : أي ردعها عن تلك المطالب حال ما هي قاطعة لمهاوي تلك الظلمات ، ووجه الاستعارة ما يشتركان فيه من عدم الاهتداء فيها . ومتخلَّصة حال أيضا والعامل إمّا تجوب أوردعها . وتخلَّصها إليه توجّهها بكليّتها في طلب إدراكه . وقوله : فرجعت إذ جبهت . إلى قوله : عزّته . معترفة حال والعامل رجعت ، وجور الاعتساف شدّة جولانها في تلك المنازل وظاهر أنّ جور الاعتساف غير نافع في تحصيل ما لا يمكن ، وأولو الرويّات أصحاب الفكر : إي رجعت معترفة بأمرين : أحدهما : أنّه لا ينال كنه معرفته ، والثاني : أنّ الفكر لا يقدر جلال عزّته : أي لا يحيط بكماله خبرا . وظاهر أن صدق هذه الأحكام للنفس موقوف على ارتماء أفكارها في طلب هذه المعارف وعجزها عنها . وقوله : الَّذي ابتدع الخلق على غير مثال . إلى قوله : قبله . إشارة إلى أنّ الصنائع البشريّة إنّما تحصل بعد أن يرتسم في الخيال صورة المصنوع بل وكلّ فعل لا يصدر إلَّا عن تصوّر وضعه وكيفيّته أوّلا ، وتلك التصوّرات تارة تحصل عن أمثلة للمصنوع بل ومقادير له خارجيّة يشاهدها الصانع ويحذو حذوها ، وتارة تحصل بمحض الإلهام والاختراع كما يفاض على أذهان كثير من